هذا يتغيّر بسرعة. سجّلت دبي ارتفاعاً بنسبة ٢٩٪ في أعداد الطلاب الدوليين عام ٢٠٢٥. وشهدت الولايات المتحدة انخفاضاً بنسبة ٢٠٪ في القبولات الدولية الجديدة في ربيع عام ٢٠٢٦. ويؤكد أحدث تقرير لليونسكو حول الاتجاهات العالمية أن الطلاب العرب المتنقلين دولياً باتوا يتركّزون بشكل متزايد في منطقة الخليج، في تحوّل واضح بعيداً عن أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية. يستعرض هذا المقال أبرز العوامل الدافعة لهذا التحوّل وما يعنيه بالنسبة للطلاب الدوليين الذين يوازنون بين خياراتهم.
صعود الخليج وجهةً تعليميةً عالمية
يعمل الخليج على تعزيز مكانته في التعليم العالي منذ أكثر من عقدين، غير أن السنوات الأخيرة شهدت تسارعاً ملحوظاً في هذا المسار. والأرقام تتحدث عن نفسها:
- بلغ عدد الطلاب الدوليين المقيّدين في الإمارات نحو ٢٢٠٬٠٠٠ طالب، وفقاً لـICEF Monitor
- حدّدت هيئة المعرفة والتنمية البشرية في دبي هدفاً يقضي بأن يشكّل الطلاب الدوليون ٥٠٪ من إجمالي الطلاب بحلول عام ٢٠٣٣، كما يُتوقع أن يُسهم قطاع التعليم العالي بنحو ٥٫٦ مليار درهم في الناتج المحلي الإجمالي.
- بحلول عام ٢٠٢٥، أتمّ ٤٦٪ من السعوديين الذين تتراوح أعمارهم بين ٢٥ و٣٤ عاماً تعليمهم الجامعي، في بلدٍ لم يكن يضمّ سوى نحو ٨٬٠٠٠ طالب جامعي عام ١٩٧١، وفقاً لـتقرير اليونسكو للرصد العالمي للتعليم
كما استعرضت UniNewsletter، المعاقل الغربية التقليدية تتراجع هيمنتها على التعليم العالي الدولي، ويُعدّ الخليج أحد أبرز المستفيدين من هذا التحوّل.
لماذا تستثمر دول الخليج بكثافة في التعليم العالي
الإجابة المختصرة: عائدات النفط لن تدوم إلى الأبد، وحكوماتها تدرك ذلك جيداً.
لكلّ دولة خليجية كبرى استراتيجية طويلة الأمد للتنويع الاقتصادي؛ رؤية الإمارات ٢٠٣١، ورؤية السعودية ٢٠٣٠، والرؤية الوطنية لقطر ٢٠٣٠. وتضع جميعها تنمية رأس المال البشري في صميم أهدافها. فالتعليم العالي في الخليج ليس مجرد التزام سياسي رمزي، بل هو استراتيجية اقتصادية محورية. وأبرز محرّكات هذا التوجه:
- توطين القوى العاملة، من خلال برامج التوطين كالتوطين في الإمارات والسعودة في المملكة، التي تحتاج إلى خرّيجين محليّين مؤهّلين للحلول محلّ الكفاءات الأجنبية في الأدوار المتخصصة، وهو أمر يبدو بسيطاً لكنه في الواقع ليس كذلك.
- البحث والابتكار: تسعى حكومات الخليج إلى تحسين مراتبها البحثية وزيادة براءات الاختراع، وتقف الجامعات في طليعة هذا المسعى بوصفها المحرّك الرئيسي الصامت خلف معظم هذه الجهود.
- التنويع الاقتصادي: يعاني قطاعا التمويل والتقنية والرعاية الصحية والخدمات اللوجستية من نقص حادّ في الكوادر المتخصصة، والمنطقة لا تستطيع الاستمرار في استيراد الكفاءات إلى ما لا نهاية.
- القوة الناعمة: استضافة الجامعات المصنّفة عالمياً يمنح مدن الخليج طابعاً كونياً، مما يعزّز روابطها الدبلوماسية بطريقة غير مباشرة.
في عام ٢٠٢٣، خصّصت المملكة العربية السعودية ١٨٩ مليار ريال سعودي (ما يعادل ٥٠ مليار دولار أمريكي) للتعليم، أي ١٧٪ من إجمالي الإنفاق العام، ذهب ٤٢٪ منها مباشرةً إلى التعليم العالي والتقني.
الإمارات والمملكة العربية السعودية تقودان مسيرة التحوّل
الإمارات: المركز الراسخ
عملت دبي وأبوظبي على تعزيز مكانتهما التعليمية الدولية منذ مطلع الألفية الثالثة، بخطى ثابتة ومتواصلة. واليوم، تضمّ دبي حرماً جامعيات لـجامعة مانشستر (المرتبة ٣٥ في تصنيف QS)، وجامعة برمنغهام (المرتبة ٧٦)، وكلية لندن للأعمال (المرتبة السابعة في مجال الأعمال). بل افتُتحت ثلاثة حرم جامعية دولية جديدة خلال الفترة ٢٠٢٥-٢٠٢٦ وحدها: المعهد الهندي للإدارة في أحمد آباد (المرتبة ٢٧ عالمياً في الأعمال)، والجامعة الأمريكية في بيروت، وكلية فقيه للعلوم الطبية. وفي الوقت ذاته، يواصل جامعة نيويورك أبوظبي وحرم INSEAD في أبوظبي تعزيز مكانة الإمارات بوصفها أكثر مراكز التعلّم تطوّراً في الخليج.
المملكة العربية السعودية: الحدود الجديدة
أجازت المملكة العربية السعودية تراخيص المستثمرين الأجانب لخمس جامعات دولية في عام ٢٠٢٥، هي: جامعة ولاية أريزونا، وجامعة وولونغونغ، وجامعة ستراثكلايد، وـ RCSI، وجامعة IE. كما وقّعت جامعة نيو هافن مذكرة تفاهم لافتتاح حرم جامعي في الرياض خريف ٢٠٢٦، يستوعب نحو ١٣٬٠٠٠ طالب. وعلى خلاف قطر، تشترط المملكة من الجامعات تمويل منشآتها بنفسها، وهو ما يعكس ثقة المملكة في قدرة سوقها على الصمود والنمو.
كيف تستقطب جامعات الخليج الطلاب الدوليين
لا يقتصر الأمر على الحرم الجامعية ذات الأسماء اللامعة. ثمة مجموعة من العوامل العملية اليومية تجعل الخليج منافساً حقيقياً في مجال التعليم العالي الدولي:
- الدرجة العلمية ذاتها بالقيمة ذاتها، إذ تمنح الحرم الجامعية الفرعية مؤهلات مطابقة لتلك الممنوحة في الجامعات الأم؛ فشهادة جامعة مانشستر دبي هي في حقيقتها شهادة جامعة مانشستر.
- التدريس باللغة الإنجليزية - يُقدَّم جزء كبير من التعليم العالي في الإمارات، ونسبة متنامية في المملكة العربية السعودية، باللغة الإنجليزية، مما يجعله أقل عقبةً مما يتصوّره كثيرون.
- الوصول إلى فرص العمل، تتوسّع أسواق العمل الخليجية في قطاعات التمويل والتقنية والرعاية الصحية والطاقة، والدراسة محلياً تتيح بناء شبكة علاقات تفتح الأبواب فعلياً.
- الموقع الجغرافي المميّز، يجد الطلاب القادمون من جنوب آسيا وأفريقيا والعالم العربي أن الخليج أقرب وأقلّ تكلفةً للوصول إليه مقارنةً بالمملكة المتحدة أو الولايات المتحدة أو أستراليا.
- جودة الحياة، معدلات جريمة منخفضة، وبنية تحتية حديثة، وبيئات مدنية متعددة الثقافات، لا سيما في الإمارات.
تستثمر الإمارات أيضاً في مرحلة ما بعد التخرج. وقد وثّقت UniNewsletter أسباب بروز الإمارات وجهةً مهنيةً رائدة للطلاب الدوليين، إذ يُعدّ سوق العمل جزءاً من عوامل الجذب، لا التعليم وحده.
دور الحرم الجامعية الدولية الفرعية والشراكات العالمية
تُمثّل الحرم الجامعية الفرعية الأصل الأكثر ظهوراً في منظومة التعليم العالي الخليجي، والخط الزمني لها في توسّع مستمر. وفي الوقت الذي تشدّد فيه الدول الغربية قواعد قبول الطلاب الدوليين، تسير دول الشرق الأوسط في الاتجاه المعاكس تماماً.
- مدينة التعليم في قطر تظلّ النموذج الأكثر تطوراً، بحرم جامعية ممولة حكومياً تستضيف جامعات جورجتاون، ونورث وسترن، وكورنيل، وكلية لندن، وغيرها، لتقديم برامج درجات علمية كاملة.
- نموذج المناطق الحرة في الإمارات يحقق نتائج مماثلة عبر نهج تجاري قائم على السوق؛ إذ تستضيف مدينة دبي الأكاديمية الدولية وحدها أكثر من ٢٥ مؤسسة تعليمية.
- المملكة العربية السعودية هي الداخل الأحدث إلى هذا المشهد. المنظومة لا تزال ناشئة وأقل نضجاً، غير أنها تحظى بدعم أكبر اقتصاد في المنطقة وأسرع خط إصدار تراخيص جديدة نمواً.
يستطيع الطلاب الدوليون الحصول على مؤهلات بمستوى عالمي دون مغادرة المنطقة، وغالباً بتكلفة أقل. وتُشير تحقيقات UniNewsletter في دور شبكات التدريس في رفع الجودة الأكاديمية في منطقة الخليج إلى أن هذا يمثّل مساراً مهماً حقاً لرفع المعايير.
مزايا الدراسة في دول الخليج للطلاب الدوليين
تكلفة المعيشة: دبي ليست مدينة رخيصة بالتأكيد، لكن إذا كان الطالب يحصل على منحة دراسية أو لديه ارتباطات عائلية محلية، فإنها لا تزال تُقارَن بشكل إيجابي مع لندن أو سيدني أو نيويورك.
- المنح الدراسية: تمتلك الجامعات الاتحادية في الإمارات والمؤسسات السعودية الكبرى برامج منح دراسية ضخمة للطلاب الدوليين.
- البيئة متعددة الثقافات: تُعدّ الإمارات من أكثر دول العالم تنوعاً ثقافياً، لذا لا يكون الطلاب الدوليون استثناءً بل القاعدة.
- فرص العمل بعد التخرج: مع توسّع القطاع الخاص الخليجي، تتشكّل فرص عمل حقيقية، لا سيما في مجالات العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات والأعمال والرعاية الصحية والخدمات اللوجستية.
- رسوم دراسية أقل في الحرم الفرعية: كثيراً ما تكون الرسوم في الحرم الجامعية الخليجية الفرعية أقلّ من تلك المفروضة في المؤسسة الأم المكافئة.
التحديات التي يجب على الخليج تجاوزها ليصبح مركزاً تعليمياً عالمياً رائداً
- السمعة البحثية: لا تزال الجامعات الخليجية خارج نطاق جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست) وجامعة نيويورك أبوظبي في طور بناء مصداقيتها البحثية؛ فهي قوية في التصنيفات الإقليمية، لكنها لا تزال تتطور على صعيد التصنيفات التخصصية العالمية.
- الحريات الأكاديمية والاجتماعية: تظلّ المخاوف المتعلقة بالحريات الشخصية والأكاديمية عاملاً حقيقياً مؤثراً في اختيار الوجهة التعليمية، لا سيما بالنسبة للطلاب الذين يفكرون في المملكة العربية السعودية.
- مسارات ما بعد التخرج: طوّرت الإمارات منظومة تأشيرات طويلة الأمد، لكن مسارات الهجرة الخليجية للخريجين الدوليين لا تزال أقل مباشرةً مقارنةً بالمملكة المتحدة وكندا وأستراليا.
- بناء جامعات وطنية راسخة: تعتمد المكانة المحورية للخليج حالياً اعتماداً كبيراً على الحرم الجامعية الأجنبية الفرعية؛ وبناء مؤسسات تعليمية محلية ذات سمعة عالمية مستقلة يظلّ التحدي الأبعد مدىً.
مستقبل تطوير التعليم العالي في دول مجلس التعاون الخليجي
المسار واضح. وثمة أمور بعينها تستحق المتابعة:
- تسارع موجة الحرم الجامعية الفرعية في السعودية: التراخيص الممنوحة في ٢٠٢٥ ليست سوى البداية؛ حين تنطلق الحرم الأولى وتُثبت جدواها، ستتبعها مؤسسات أخرى.
- تصاعد مراتب الجامعات الخليجية في التصنيفات العالمية: التركيز المتصاعد على البحث العلمي بدأ يؤتي ثماره؛ وسيتحوّل هذا النمط إلى أثر مضاعف خلال العقد المقبل.
- اشتداد التنافس على استقطاب طلاب جنوب آسيا وأفريقيا: تُعدّ الهند وباكستان ونيجيريا ومصر أسواقاً رئيسية لتصدير الطلاب، فضلاً عن روابطها الراسخة مع الاقتصادات الخليجية؛ لذا يُتوقع أن تتوسّع جهود التجنيد الموجّه.
- تحسين مسارات ما بعد التخرج: بدأت الحكومات تدرك أن الإبقاء على الخريجين المتعلمين دولياً داخل البلاد يخدم أهداف التوطين السعودي والإماراتي، وهذا هو الاتجاه الذي يسير نحوه الجميع.
لم تعد دول الخليج خياراً هامشياً. فبالنسبة للطلاب القادمين من آسيا وأفريقيا والعالم العربي، باتت خياراً رئيسياً في المقام الأول.
خاتمة
قبل عقد من الزمن، كانت منطقة الخليج بالكاد تُذكر في نقاشات الوجهات التعليمية العالمية. أما اليوم، فتسعى دبي إلى احتلال موقع ضمن أفضل ١٠ مدن جامعية عالمياً، وتُسرّع المملكة العربية السعودية وتيرة ترخيص الجامعات الدولية، وباتت اليونسكو ترصد تحوّلاً واضحاً في حركة الطلاب العرب نحو الخليج.
بالنسبة للطلاب الدوليين في التعليم العالي عام ٢٠٢٦، يستحق الخليج بجدية أن يكون في الحسبان؛ فالتمويل حقيقي، والحرم الجامعية عالمية المستوى، وأسواق العمل في توسّع متواصل.
تصفّح الجامعات في الإمارات والمملكة العربية السعودية ومنطقة الخليج عبر دليل جامعات UniNewsletter.