نشر في مارس 2026
مشاركة
يشهد التعليم العالي حاليًا حالة من الاضطراب الكبير، حيث تسجّل العديد من الدول التقليدية والراسخة انخفاضًا في أعداد الطلبة الدوليين نتيجة تغييرات وسياسات تقييدية جديدة. وقد أدّت هذه التطورات بدورها إلى إغلاق أقسام، بل وحتى مؤسسات كاملة، وإلى حالة من عدم اليقين المالي وتسريح الموظفين.
وخلال السنوات القليلة الماضية، شهدنا تحوّلًا في أنماط حركية الطلبة. فقد سجّلت أستراليا انخفاضًا بنسبة 12% في تأشيرات الطلبة الجدد خلال العام الأكاديمي 2024/2025. وشهدت كندا تراجعًا بنسبة 60% في أعداد الطلبة الجدد الوافدين عام 2025 مقارنة بالعام السابق. كما أطلقت المملكة المتحدة مؤخرًا استراتيجية جديدة للتعليم الدولي تركّز على التوسّع الخارجي، في محاولة لمواجهة الانخفاض بنسبة 18% في التأشيرات الممنوحة للطلبة الدوليين الجدد في يونيو 2025. أما الولايات المتحدة الأمريكية، فقد سجّلت انخفاضًا بنسبة 17% في استقطاب الطلبة الدوليين الجدد في السنة الأولى خلال خريف 2025.
كما نشهد توسّعًا متزايدًا نحو أسواق جديدة، ولا سيما الهند والصين، حيث تسعى العديد من الجامعات الغربية إلى إنشاء فروع جامعية وبرامج درجات مشتركة. ففي ديسمبر 2025، أعلنت لجنة المنح الجامعية في الهند عن قائمة أولية تضم 12 جامعة أجنبية حصلت على الموافقة لإنشاء فروع لها. وتنتمي هذه الجامعات إلى أستراليا والمملكة المتحدة وفرنسا وسنغافورة. وفي سبتمبر 2025، وافقت وزارة التعليم الصينية على إنشاء 19 مؤسسة تعليمية مشتركة جديدة و31 برنامجًا تعليميًا مشتركًا جديدًا. وتعكس هذه الخطوات تركيزًا ملحوظًا على النمو والتعاون والانخراط — سواء من جانب الدول المضيفة أو الدول المُرسِلة.
وتشهد دولة الإمارات العربية المتحدة نموًا ملحوظًا ومستدامًا في قطاع التعليم العالي الدولي. وبلغ عدد سكان الدولة، حتى يونيو 2025، نحو 11.35 مليون نسمة — يشمل ذلك المواطنين الإماراتيين والمقيمين الأجانب الذين يزيد عددهم قليلًا على 10 ملايين، موزّعين على الإمارات السبع: أبوظبي، دبي، الشارقة، عجمان، أم القيوين، والفجيرة. وتُعدّ دبي على وجه الخصوص مركزًا رئيسيًا لهذا النمو. وفيها تعمل مؤسسات التعليم العالي تحت إشراف هيئة المعرفة والتنمية البشرية (KHDA)، المسؤولة عن ضمان الامتثال لمتطلبات الجودة واللوائح التنظيمية.
اعتبارًا من يوليو 2025، ووفقًا لتقارير هيئة المعرفة والتنمية البشرية (KHDA)، بلغ عدد مؤسسات التعليم العالي الدولية المرخّصة في دبي 41 مؤسسة، من بينها 37 فرعًا جامعيًا دوليًا. ومن بين هذه الفروع، يوجد فرعان تعود جامعاتهما الأم إلى قائمة أفضل 100 جامعة عالميًا في تصنيف QS للجامعات العالمية لعام 2026 — جامعة مانشستر دبي (المرتبة 35) وجامعة برمنغهام دبي (المرتبة 76). كما توجد جامعتان أخريان تعود جامعاتهما الأم إلى قائمة أفضل 200 جامعة عالميًا — جامعة كيرتن دبي (المرتبة 183) وجامعة ولونغونغ في دبي (المرتبة 184). بالإضافة إلى ذلك، تضم دبي ثلاث جامعات أخرى تُصنَّف ضمن أفضل 300 جامعة في تصنيف QS.
وتواصل دبي البناء على هذا النجاح وتسعى إلى تعزيز سمعتها العالمية بصورة أكبر. ففي إطار «استراتيجية التعليم 33»، يهدف مشروع استقطاب الجامعات العالمية إلى تطوير قطاع تعليمي يجمع بين التعليم العابر للحدود والتعليم الوطني، من أجل الاستثمار في التعليم والبحث والتعاون الدولي. وبحلول عام 2033، يتمثّل الهدف في رفع نسبة الطلبة الدوليين إلى 50% من إجمالي عدد الطلبة في التعليم العالي. ومن شأن ذلك أن يُسهم بمبلغ 5.6 مليارات درهم إماراتي (1.5 مليار دولار أمريكي) في الناتج المحلي الإجمالي لقطاع التعليم العالي، وأن يضع دبي ضمن أفضل عشر مدن عالميًا في مجال التعليم العالي.
فيما يتعلق بالنمو الأخير في دبي، شهد العام الأكاديمي 2024/2025 زيادة بنسبة 20% في إجمالي أعداد الطلبة المسجّلين، وارتفاعًا بنسبة 29% في استقطاب الطلبة الدوليين. وأدّى هذا النمو إلى وصول نسبة الطلبة الدوليين إلى 35% من إجمالي عدد الطلبة. وخلال هذه الفترة، افتُتحت أربع جامعات دولية جديدة، والتحق 42,026 طالبًا بـ41 مؤسسة تعليم عالٍ خاصة.
ويأتي حاليًا نحو 42% من الطلبة الدوليين في دبي من الهند، وهناك بطبيعة الحال توجّه لتنويع هذا المصدر بهدف تقليل الاعتماد على نموذج واحد، وتعزيز تنوّع الجسم الطلابي في دبي بصورة أكبر. لقد شهدنا تحوّلًا في أنماط الاستقطاب، حيث بات الطلبة يختارون دبي بدلًا من الوجهات التقليدية مثل أستراليا وكندا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية.
وتُصنَّف دبي بانتظام ضمن أكثر المدن أمانًا في العالم، وهو عامل لا يغيب عن أذهان الطلبة، إذ يُدرج ضمن أهم أسباب اختيارهم الدراسة فيها. كما أن بساطة إجراءات التأشيرة، وإمكانية الوصول إلى مؤسسات تعليم عالٍ مصنّفة عالميًا، وتكلفة الدراسة المعقولة — لا سيما بالمقارنة مع تكاليف الدراسة للطلبة الدوليين في الوجهات التقليدية — تُعدّ جميعها عوامل مؤثّرة لدى الطلبة المحتملين.
شهد مشهد التعليم العالي الدولي تحوّلًا ملحوظًا خلال السنوات القليلة الماضية. فقد عايشنا تغيّرات جذرية خلال جائحة كوفيد-19، ثم شهدنا ارتفاعًا في الأعداد والحركية مع عودة الأمور إلى «الوضع الطبيعي». وخلال السنوات القليلة الماضية، لاحظنا مسارات جديدة واتجاهات مختلفة في الحركية. فقد أصبحت الحركية الإقليمية والتعاون أكثر وضوحًا؛ والمعاقل التقليدية آخذة في التلاشي؛ وتظهر أسواق جديدة وتترسّخ. كما تغيّرت آليات اتخاذ القرار لدى الطلبة، ومع سعي الجامعات إلى توسيع نطاق استقطابها، تعمل مدن مثل دبي على تهيئة بيئات داعمة تعزّز التميّز التعليمي، والقدرة على تحمّل التكاليف، وسلامة الطلبة.