تأمّل في آخر مرة وجدتَ نفسك في غرفة يتحدث فيها الجميع بلغة بالكاد تفهمها. على الأرجح شعرتَ بمزيج من الإرهاق، وقليل من الوحدة، وقلق دائم من عدم التقاط المعنى «الحقيقي» لما يدور في الحديث. تخيّل الآن أن تعيش هذا الشعور كل يوم لمدة أربع سنوات، بينما يكون مستقبلك بأكمله على المحك.
يمرّ ملايين الطلبة الدوليين اليوم بهذه الحقيقة القاسية. لقد بنينا نظاماً ضخماً ومترابطاً للغاية للتعليم العالي، لكننا واصلنا العمل لعقود طويلة وفق فلسفة «لغة واحدة تناسب الجميع». وإذا أردتَ المكانة والهيبة المرتبطة بالحصول على شهادة عالمية المستوى، فقد ارتبط مفهوم النجاح تاريخياً لدينا بالكامل بإتقان اللغة الإنجليزية. غير أنّه لا يمكننا الاستمرار في النظر إلى العالم من منظور لغة واحدة، ولا ينبغي أن تظل قاعاتنا الدراسية محصورة في استخدام لغة واحدة فقط.
إن تطبيق نهج تعليمي متعدد اللغات ليس مجرد «إضافة لطيفة» أو خانة نضع عليها علامة في ملف التنوع، بل هو تمثيل حقيقي لمدى قدرتنا على تعليم الناس بفاعلية، بدلاً من اختبار قدرتهم على الترجمة الشفوية من لغتهم الأصلية إلى الإنجليزية أو العكس.
ماذا يعني التعليم متعدد اللغات فعلاً اليوم؟
عندما يسمع الناس عبارة «التعليم متعدد اللغات في التعليم العالمي»، فإنهم غالباً ما يظنون أنها تعني فقط إضافة بعض مقررات اللغات الاختيارية. لكن الأمر أعمق من ذلك بكثير. فبيئات التعلّم متعددة اللغات الحقيقية هي مساحات لا تُعامل فيها اللغة الأم للطالب بوصفها «عائقاً» يجب تجاوزه، بل باعتبارها مورداً معرفياً قيّماً.
تخيّل الآن أن تشعر بهذا الإحساس كل يوم لمدة أربع سنوات، وأنت تعتقد أن مستقبلك بأكمله يعتمد على مدى قدرتك على فهم ما يُقال. هنا يظهر الفرق بين التعليم ثنائي اللغة وأنظمة التعليم متعددة اللغات الحقيقية. فالفصول الدراسية المعولمة تتطلب من الطلبة مسؤولية أكبر في إحياء ثقافاتهم الخاصة داخل البيئة التعليمية، بدلاً من الاكتفاء بالقدرة على اجتياز اختبارات دولية مثل TOEFL أو IELTS. ووفقاً لـ
المجلس الثقافي البريطاني (British Council)، فإن مستقبل التواصل العالمي لا يتمثل في أن يتحدث الجميع لغة واحدة بإتقان، بل في أن يكون الجميع قادرين على التنقل بين عدة لغات.
لماذا تتزايد أهمية التعليم متعدد اللغات؟
الأرقام واضحة. فبحسب
منظمة اليونسكو (UNESCO)، فإن ما يقرب من 40٪ من سكان العالم لا يحصلون على تعليم بلغة يتحدثونها أو يفهمونها. وفي سياق التعليم العالي، يخلق هذا فجوة كبيرة في العدالة والإنصاف.
نشهد اتجاهاً متزايداً في حركة الطلبة على المستوى العالمي، لكن الأنظمة التعليمية لا تواكب هذا التغير. لقد تحوّل دور اللغة في التعليم العالمي من كونها مجرد وسيلة للتدريس إلى كونها بوابة إقصاء. فإذا لم تتمكن من إتقان «اللغة الأكاديمية» السائدة في لغة مهيمنة بعينها، فإن تميزك في الفيزياء أو إدارة الأعمال أو الفنون غالباً ما يتم تجاهله.
يمكن للجامعات في الواقع أن تبدأ في تضييق هذه الفجوة من خلال تبنّي التنوع اللغوي في التعليم. فذلك جزء أساسي من حقيقة أن
النجاح الأكاديمي يرتبط بالراحة اللغوية.
إذ يميل الباحثون والطلبة إلى تحقيق أداء أفضل بكثير عندما يُسمح لهم بتعلّم المفاهيم المعقدة بطريقة طبيعية بالنسبة لهم.
المكاسب الذهنية والمهنية: فوائد التعليم متعدد اللغات
الأمر لا يتعلق فقط بجعل الدراسة «أسهل» للطلبة. فهناك أدلة علمية قوية تفسر لماذا يُعدّ النهج متعدد اللغات في التعليم أكثر فاعلية.
-
المرونة المعرفية: الأشخاص الذين يتقنون أكثر من لغة أو ينتمون إلى أكثر من ثقافة يتمتعون بقدرة أعلى على الانتقال بين المهام عند حل المشكلات.
-
القابلية للتوظيف: المرشح الذي يتقن أكثر من لغة يمتلك قيمة أكبر بكثير في نظر أصحاب العمل مقارنة بالشخص أحادي اللغة. فالاقتصاد العالمي يتطلب قوى عاملة قادرة على العمل بفاعلية في بيئات متعددة اللغات.
-
التعاطف والذكاء الثقافي كما ينعكسان في اللغة: لغة أي ثقافة تشبه جلدها الخارجي. ففي السياق متعدد اللغات، لا تتعلّم المعلومات فقط، بل تتعلّم أيضاً كيف ينظر الأفراد في بلدان مختلفة إلى العالم بطريقة تختلف عما هو سائد في بلدك.
ولهذا السبب، بدأت العديد من الكليات و
الجامعات في إعادة التفكير في استراتيجياتها التسويقية حتى تتمكن من استقطاب أفضل المواهب والوصول إلى الطلبة عالمياً، من حيث اللغة والموقع على حد سواء.
مواجهة واقع تحديات اللغة في التعليم الدولي
علينا أن نكون صادقين بشأن الصعوبات اللغوية التي يواجهها الطلبة الدوليون. فالشعور بالقلق اللغوي ليس مجرد خجل عابر، بل هو خوف حقيقي من أن يؤثر استخدام فعل خاطئ أو لهجة مختلفة في نظرة الآخرين إلى مستوى ذكائك، مقارنة بالطلبة الذين يُعدّون ناطقين أصليين بلغة ذلك البلد.
يؤدي هذا القلق إلى ضعف المشاركة وانخفاض تقدير الذات. وكما تشير
صحيفة The PIE News، تظل اللغة العائق الأكبر أمام الاندماج والنجاح الأكاديمي للطلبة الذين يدرسون في الخارج. ولهذا السبب بدأت العديد من مؤسسات التعليم العالي في إعادة تقييم استراتيجياتها التسويقية بما يتوافق مع هذا الواقع. فإذا أردتَ جذب أفضل المواهب إلى جامعتك، فعليك أن تصل إليهم في أماكنهم، جسدياً ولغوياً.
لماذا لم تعد الإنجليزية وحدها كافية؟
لفترة طويلة، كان الرأي السائد هو: «تعلّم الإنجليزية وستكون بخير». لكن عصر «الإنجليزية فقط» بدأ يكشف عن محدوديته. ففي دراسة نشرتها
الجمعية الملكية (The Royal Society)، تمّت الإشارة إلى أن النهج أحادي اللغة في العلوم والبحث العلمي يقيّد فعلياً نطاق المعرفة العالمية المتاحة.
إن إنشاء بيئات تعليمية شاملة يزيد من عدد الأصوات المختلفة التي يمكن سماعها. ولهذا السبب تستكشف العديد من المؤسسات حالياً
طرق أتمتة خدمات الطلبة متعددة اللغات وتقديم المستوى نفسه من الخدمة لكل طالب، بغض النظر عن اللغة التي يتحدثها.
كيف يمكن لأنظمة التعليم العالمية تبنّي نهج متعدد اللغات؟
على الرغم من إمكانية الحديث مطولاً عن تأثير اللغة في التعليم العالمي اليوم، فإن تحويل هذه الأفكار إلى ممارسات فعلية يُعدّ أكثر صعوبة؛ إذ يتطلب ذلك تحولاً كبيراً في النظرة إلى ما يُعدّ «مناسباً» أو «موحّداً» في المناهج الدراسية.
- التعليم عبر توظيف جميع الموارد اللغوية (Translanguaging): السماح للطلبة باستخدام كامل مواردهم اللغوية في التعلّم. وقد يعني ذلك مناقشة موضوع ما بلغتهم الأم قبل كتابة المقال النهائي باللغة الإنجليزية.
- الموارد متعددة اللغات: توفير الدوريات العلمية والأبحاث و
منشورات الجامعات بعدة لغات.
- تحولات على مستوى السياسات: كما تشير الأبحاث الحالية الصادرة عن
منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، فإن الدول التي تتبنى سياسات متعددة اللغات في وقت مبكر تكون أكثر قدرة على دمج سكانها في الاقتصاد على المدى الطويل.
الخلاصة: دعوة إلى التعاطف اللغوي
في الختام، يؤدي النهج أحادي اللغة إلى خلق حواجز بين الناس ويحدّ من تنوع التجارب الحياتية والأفكار الموجودة في العالم، في حين يربط التعدد اللغوي البشر على مستوى عالمي ويعترف بإسهامات الطلبة الدوليين في التعليم العالي بما يتجاوز مجرد الرسوم الدراسية؛ فهناك عالم كامل من الأفكار يستحق التفاعل معه.
ومن خلال إعطاء الأولوية للإدماج اللغوي في التعليم العالي، فإننا لا نجعل حياة عدد محدود من الطلبة أسهل فحسب، بل نجعل منظومة التعليم العالمية بأكملها أكثر قوة وصدقاً وإنسانية. العالم يتحدث. وحان الوقت لأن نبدأ في الاستماع بأكثر من لغة واحدة.
للمزيد من الرؤى حول كيفية تكيّف الجامعات مع مشهد عالمي متعدد اللغات، اطّلع على أحدث مواردنا عبر
UniNewsletter.