UniNewsletter - Logo
تسجيل الدخول/التسجيل كـ

القيادة في تحول التعليم العالي:  تمكين القيادات النسائية من خلال برنامج "هي تقود"

القيادة في تحول التعليم العالي: تمكين القيادات النسائية من خلال برنامج "هي تقود"

تشهد مؤسسات التعليم العالي حول العالم مرحلة حاسمة من التحول، تتشكل بفعل التقدم التكنولوجي السريع والمبتكر، وتغير التوقعات المجتمعية وتنوع مطالبها، والظروف الاقتصادية الديناميكية، وارتفاع مستوى المنافسة. وفي هذا السياق، تصبح القيادة الفعّالة أمرًا بالغ الأهمية لتوجيه مؤسسات التعليم العالي عبر هذه التحولات المعقدة، بما يضمن استمرارية دورها، وقدرتها على الصمود، ومرونتها الاستراتيجية.

تتناول هذه المقالة التحديات المتعددة الأبعاد والفرص الناشئة المرتبطة بتحول مؤسسات التعليم العالي، مع التأكيد على الدور الحيوي لتعزيز قيادة المرأة بوصفه بُعدًا مهمًا في بناء القدرات المؤسسية. كما تسلط الضوء على كيفية إسهام المبادرات المتخصصة مثل برنامج "هي تقود" في تنمية القدرات القيادية، بما يمكّن من إحداث تغيير مؤسسي يحقق نتائج ناجحة.


التعامل مع التحديات والفرص في تحول التعليم العالي

يتشكل مشهد التعليم العالي باستمرار تحت تأثير ضغوط ديناميكية داخلية وخارجية. تواجه الجامعات وتيرة متسارعة من الابتكار الرقمي، ولا سيما دمج الذكاء الاصطناعي (AI)، إلى جانب التوسع الواسع في بيئات التعلم عبر الإنترنت، والتعلم المدمج، والتعلم الهجين، كما أشار الدكتور ديفيد نيكل، عضو مجلس إدارة الجمعية الأمريكية لإداريي الجامعات. وفي الوقت نفسه، تستمر الضغوط المتزايدة على الاستدامة المالية في دفع المؤسسات إلى تبني نماذج تمويل بديلة ومبتكرة، إلى جانب اعتماد مقاربات استراتيجية لتحقيق الاستدامة المالية. إضافة إلى ذلك، فإن تطور توقعات الطلبة، إلى جانب تزايد الاهتمام بصحتهم النفسية ورفاههم، فضلًا عن الضغوط التشريعية ومتطلبات الامتثال، تضيف مزيدًا من التعقيد.

وعلى الرغم من هذه التحديات، فإن التحول الحالي يتيح أيضًا فرصًا كبيرة للنمو والابتكار. إذ يمكن لاعتماد الأدوات الرقمية أن يسهم في إعادة تصور مبتكر للنماذج التربوية، بما يعزز جودة تجربة التعلم وإمكانية الوصول إليها. كما يمكن للشراكات الاستراتيجية مع القطاع الصناعي والجهات العالمية أن تعزز البحث العلمي، وتنمية المواهب، وتبادل المعرفة. إضافة إلى ذلك، فإن اتخاذ القرار القائم على البيانات، والمدعوم بالذكاء الاصطناعي والتحليلات المتقدمة، يمكن أن يحسّن استراتيجيات نجاح الطلبة ويُسهم في تبسيط العمليات المؤسسية. ومن المهم أن تتيح هذه المرحلة من التحول فرصة حاسمة لتعزيز ثقافات مؤسسية أكثر شمولًا وعدالة وتنوعًا، بما يمكّن نطاقًا أوسع من وجهات النظر والخبرات من الإسهام في تحقيق تقدم مستدام ودفعه إلى الأمام.


الدور الحاسم لقيادة المرأة في تحول التعليم العالي

إن التركيز المتزايد على تنوع القيادة في التعليم العالي لا يمثل فقط التزامًا أخلاقيًا، بل ضرورة استراتيجية لنجاح التحول المؤسسي. وغالبًا ما تجلب القيادات النسائية أساليب ووجهات نظر مميزة تتلاءم بشكل خاص مع إدارة التغيير التنظيمي المعقد وتعزيز القيادة الاستراتيجية. وتشير الأبحاث إلى أن النساء في مواقع القيادة يعتمدن في كثير من الأحيان أسلوبًا قياديًا أكثر تشاركية وتعاونًا ويركّز على البعد الإنساني. وتُعد هذه السمات اليوم عناصر أساسية لتعزيز المشاركة، والتعاون، وتقوية اتخاذ القرار الجماعي، ودعم التغيير المؤسسي المستدام على المدى الطويل في سياق التعليم العالي المعاصر. كما أن وجود النساء في مواقع القيادة يؤثر في الثقافة المؤسسية، وتطوير السياسات، ومبادرات العدالة. وتُظهر الدراسات أن القيادات النسائية تؤدي دورًا محوريًا في تطوير وتنفيذ سياسات تعليمية شاملة تعود بالنفع على شريحة أوسع من الطلبة وأعضاء هيئة التدريس.

وقد أظهرت الأبحاث الدولية على نطاق واسع أن المؤسسات التي تضم تمثيلًا أكبر للنساء في المناصب العليا، مثل رئيسات الجامعات، ونائبات الرؤساء، والعميدات، تميل إلى تحقيق تمثيل أفضل، وتوفير قدر أكبر من العدالة للنساء عبر مسار القيادة، وتقليل الفجوات القائمة على النوع الاجتماعي، مما يسهم في تعزيز الثقافة المؤسسية من خلال تمثيل متوازن على امتداد الهيكل الأكاديمي. علاوة على ذلك، فإن القيادات النسائية، التي تميل إلى إعطاء أولوية أكبر للتواصل الإنساني والذكاء العاطفي، تسهم في بناء بيئات تنظيمية داعمة وقابلة للتكيف، وهو ما يُعد أمرًا بالغ الأهمية خلال فترات التحول المؤسسي العميق.


"هي تقود": تعزيز قيادة المرأة في التعليم العالي

تم تطوير برنامج "هي تقود" من قبل Advance HE، واستُلهم تصميمه من برنامج Aurora الناجح للغاية، ويهدف إلى إعداد النساء لتولي أدوار قيادية. ويُعد هذا البرنامج عنصرًا مهمًا في تمكين الأفراد ودعم التطور المؤسسي داخل قطاع التعليم العالي. وبعد أن دعم أكثر من 15,000 امرأة عبر أكثر من 200 مؤسسة في المملكة المتحدة وأيرلندا، حظي برنامج Aurora بتقدير واسع لما يقدمه من تدريب متميز. كما تم تنفيذ برنامج "هي تقود" ضمن سياقات إقليمية محددة، مثل منطقة دول مجلس التعاون الخليجي، وأُطلق مؤخرًا في دولة الإمارات العربية المتحدة، مدعومًا بتوافقه مع رؤية الإمارات 2071 والاستراتيجية الوطنية لتمكين المرأة. وقد تم إطلاق النسخة الأولى من برنامج "هي تقود" في دولة الإمارات في جامعة ليوا، وتم تقديمه من قبل Advance HE في يناير 2026.

تم تصميم برنامج "هي تقود" بشكل منهجي لمعالجة التحديات والفرص الخاصة التي تواجه النساء في القيادة في التعليم العالي. ويركّز على تعزيز القدرات القيادية من خلال تزويد المشاركات بالمهارات الأساسية والمتقدمة اللازمة للحوكمة الفعالة واتخاذ القرارات الاستراتيجية. كما يعزز التنوع والشمول من خلال ترسيخ فهم الممارسات الشاملة، والثقافات المؤسسية، ودورها في نجاح المؤسسات. كما يزوّد البرنامج القيادات النسائية بالأدوات العملية والأطر اللازمة لدعم وتنفيذ مبادرات التحول المؤسسي. ويعمل أيضًا على تسهيل الإرشاد المهني وبناء الشبكات الاحترافية من خلال ربط القيادات الناشئة بممارسين ذوي خبرة، بما يعزز التوجيه والدعم والتطور المهني طويل الأمد، وبناء شبكات مهنية قوية. وعلاوة على ذلك، يتكيف البرنامج مع السياقات الثقافية المختلفة، من خلال ضمان توافق محتواه مع واقع المؤسسات في المناطق المتنوعة، وهو ما تجلّى في برنامج الإطلاق المخصص للتعليم العالي في دولة الإمارات، والذي تم تقديمه في جامعة ليوا.

يظهر أثر برنامج "هي تقود" بوضوح في تعزيز ثقة النساء وزيادة معدلات ترقيتهن، كما أفادت المشاركات فيه. ولا يقتصر دوره على كونه برنامجًا تدريبيًا فحسب، بل يُعد منصة للتحول تمكّن النساء من القيادة بثقة وبأسلوب شامل وهادف، مما يرسّخ تمكين المرأة في صميم الثقافة المؤسسية لمؤسسات التعليم العالي. ومن خلال تطوير مسار مستدام لإعداد قيادات نسائية كفؤة، يسهم برنامج "هي تقود" بشكل مباشر في تعزيز القدرة على الصمود والابتكار اللازمين لتحقيق تحول ناجح في التعليم العالي.

وفي الختام، فإن تحول التعليم العالي يمثل مسارًا مستمرًا ومتعدد الأبعاد، يتشكل بفعل التحديات المتواصلة والفرص الناشئة. وفي ظل هذا المشهد المتغير، تحتاج المؤسسات الناجحة إلى قيادة مرنة وتعاونية ومرتكزة على مبادئ الشمول. وفي هذا السياق، فإن تعزيز قيادة المرأة من خلال مبادرات مثل برنامج "هي تقود" لا يُعد مجرد إضافة، بل مبادرة أساسية تدعم تحقيق تحول مستدام. ومن خلال توسيع آفاق القيادة وتمكين النساء من الاضطلاع بأدوار فاعلة في رسم مستقبل المؤسسات، تصبح أنظمة التعليم العالي أكثر قدرة على الاستجابة للضغوط المعاصرة، والاستفادة من الفرص الجديدة، والتقدم نحو قطاع أكثر عدالة وابتكارًا وقوة.