نشر في مارس 2026
مشاركة
منذ ورشة دارتموث عام 1956، اضطلعت الجامعات بدور محوري في تشكيل مسار الذكاء الاصطناعي. فقد أرست جانبًا كبيرًا من الأسس النظرية، ودرّبت الباحثين والمهندسين الذين يقودون هذا المجال اليوم. غير أن موازين القوة تغيّرت. فمعظم الاختراقات في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي باتت تصدر عن مختبرات صناعية تمتلك إمكانية الوصول إلى بيانات ضخمة، وقدرات حوسبة واسعة النطاق، وقنوات نشر مباشرة. فمن بنية «المحوّلات» التي قدّمتها Google Research لأول مرة، إلى النماذج اللغوية الكبيرة التي وسّعتها OpenAI، وصولًا إلى معماريات «مزيج الخبراء» الأحدث التي تستخدمها DeepSeek، أصبحت الريادة إلى حدٍّ كبير صناعية الطابع، كما يعكس ذلك تقرير مؤشر الذكاء الاصطناعي لعام 2025 الصادر عن جامعة ستانفورد.
ويفرض هذا التحوّل على الجامعات إعادة التفكير في دورها. فلم يعد السؤال الرئيس هو ما إذا كانت الجامعات قادرة على بناء أكبر النماذج أو أقواها. بل بات السؤال: هل تستطيع الجامعات أن تُشكّل كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي عندما يصبح جزءًا من الحياة اليومية؟ مع ازدياد تأثير الذكاء الاصطناعي التوليدي في اللغة والتعليم والخدمات العامة، قد يكون أعظم أثر للجامعات ليس من خلال التوسّع الكمي، بل عبر الحوكمة، والتكيّف المحلي، والتركيز على المنفعة العامة، لا سيما في المجالات التي تعجز فيها المنصّات التجارية عن تلبية الاحتياجات.
وتُظهر تجربتنا في معهد الأنظمة الذكية والذكاء الاصطناعي (ISSAI) بجامعة نزارباييف في كازاخستان كيف يمكن تطبيق ذلك عمليًا. فالجامعات قادرة على تجاوز حدود الأوراق البحثية والنماذج الأولية لبناء أنظمة ذكاء اصطناعي تخدم المجتمع مباشرة. ويكتسب هذا أهمية خاصة في السياقات التي تواجه فيها المنصّات العالمية صعوبة في دعم اللغات المحلية، أو مراعاة الدقة الثقافية، أو التوافق مع الأولويات الوطنية.
لماذا يُعدّ الذكاء الاصطناعي ذي الأثر العام مسؤولية جامعية
يُعيد الذكاء الاصطناعي التوليدي بسرعة تشكيل طرق تواصل الناس، ووصولهم إلى المعلومات، وتفاعلهم مع المؤسسات العامة. ومع ذلك، فإن معظم النماذج الرائدة تُطوَّر من قبل شركات خاصة، وتُدرَّب أساسًا على عدد محدود من اللغات ذات الموارد العالية. وبالنسبة للمجتمعات التي تُهمَّش لغاتها، ينشأ بذلك فجوة متزايدة بين ما تتيحه التكنولوجيا وما يُعدّ ذا معنى ثقافيًا أو نافعًا اجتماعيًا.
وتتمتّع الجامعات بموقع فريد لمعالجة هذه الفجوة؛ إذ تجمع بين استقلالية البحث، والثقة العامة، والخبرة العميقة في مجالات التكنولوجيا واللغويات والعلوم الاجتماعية. كما يتيح منظورها بعيد المدى إعطاء الأولوية للشمولية، والشفافية، والملاءمة الوطنية، بدلًا من العوائد التجارية قصيرة الأجل.
كما أن السيادة الرقمية مسألة أساسية. فعندما تكون أنظمة الذكاء الاصطناعي خارجية بالكامل، تمتلك المجتمعات رؤية محدودة لكيفية تدريبها أو تحديثها أو حوكمتها. ويُعدّ ذلك إشكاليًا بشكل خاص في مجالات التعليم، وسياسات اللغة، والإدارة العامة. ويمكن للجامعات أن تسهم من خلال بناء أنظمة ذكاء اصطناعي والإشراف عليها بحيث تكون متجذّرة محليًا، وخاضعة للفحص المفتوح، ومتّسقة مع الأولويات الوطنية، مع بقائها في الوقت نفسه على اتصال بمجتمعات البحث العالمية.
ولتحقيق أثر حقيقي، لا يمكن للذكاء الاصطناعي التوليدي الموجّه للصالح العام أن يظلّ مجرد مجموعة من المشاريع قصيرة الأجل أو العروض التجريبية. بل يجب التعامل معه بوصفه بنية تحتية رقمية مشتركة، مصمَّمة للعمل مع المدارس والمؤسسات العامة والمستخدمين اليوميين، وقادرة على التطوّر مع تغيّر الاحتياجات المجتمعية.
من فجوة إلى منظومة متكاملة
لم يبدأ عملنا بطموح بناء نموذج لغوي وطني. بل انطلق من مشكلة عملية واضحة. فقد أظهرت النماذج العالمية أداءً ضعيفًا في اللغة الكازاخية، وعانت في التعامل مع بنيتها الصرفية المعقّدة، وأنتجت في كثير من الأحيان مخرجات غير ملائمة ثقافيًا. وقد أثّرت هذه النواقص في الوصول إلى المعلومات، وحدّت من فاعلية الذكاء الاصطناعي في مجالات التعليم والإعلام والحكومة.
كما أثار الاعتماد الكامل على أنظمة ذكاء اصطناعي خارجية مخاوف تتعلق بالشفافية والمرونة والتحكّم طويل الأمد. ففي مجالات حسّاسة مثل التعليم والإدارة العامة، يؤدي غياب الفهم لكيفية تدريب النماذج أو تحديثها إلى مخاطر بنيوية. ومن منظور جامعي، شكّلت هذه الفجوة تحديًا بحثيًا ومسؤولية مجتمعية في آنٍ واحد. ومعالجتها تطلّبت الانتقال من الاكتفاء بأوراق التقييم إلى بناء منظومة ذكاء اصطناعي توليدي مصمَّمة لتلبية الاحتياجات المحلية.
ومن الدروس المهمة التي تعلّمناها أن الذكاء الاصطناعي ذي الأثر العام ليس نموذجًا واحدًا، بل منظومة متكاملة. وقد شكّل إطلاق «KazLLM»، أول نموذج لغوي كبير في كازاخستان مدرَّب على بيانات متعددة اللغات منتقاة بعناية، محطة رئيسية. ولم تكمن أهميته في النموذج ذاته فحسب، بل في ما أتاحه من إمكانات لاحقة.
وقد حظي «KazLLM» بتقدير باحثين بارزين في مجال الذكاء الاصطناعي، من بينهم يان لوكون، بوصفه مثالًا على إمكانية تطوير نماذج لغوية مخصّصة للغات ذات الموارد المحدودة بطريقة مسؤولة خارج المنصّات العالمية المهيمنة. وبهذا المعنى، يقدّم مثالًا لما يمكن أن يبدو عليه الذكاء الاصطناعي التوليدي السيادي: أنظمة تحافظ على التنوع اللغوي، مع التزامها في الوقت ذاته بالمعايير البحثية الدولية.
والأهم من ذلك، جرى التعامل مع نموذج KazLLM بوصفه بنية تحتية تأسيسية، لا مجرد مخرَج بحثي عابر. فقد أُنشئت منصة «ISSAI Playground» لإتاحة وصول مباشر للطلبة والمعلّمين والباحثين إلى النموذج والأدوات المرتبطة به. ويمكن للمستخدمين من خلالها التجربة والتعلّم وتقييم أنظمة الذكاء الاصطناعي دون الحاجة إلى خبرة تقنية عميقة أو الاعتماد على منصّات خارجية. ويتيح هذا النهج ظهور حالات استخدام واقعية بصورة عضوية، كما يغذّي عملية التحسين المستمر.
وتُعدّ البنية التحتية عنصرًا بالغ الأهمية كذلك. فبناء الذكاء الاصطناعي التوليدي والحفاظ عليه يتطلّبان خبرة عملية في التعامل مع العتاد الحديث، بما في ذلك وحدات معالجة الرسوميات والمسرّعات من شركات مثل NVIDIA وAMD وHuawei. إن معرفة كيفية تدريب النماذج بكفاءة، وإدارة موارد الحوسبة، ونشر الأنظمة بصورة موثوقة، لا تقل أهمية عن الابتكار الخوارزمي أو الإبداع في التعامل مع البيانات. ومن دون هذه المعرفة التشغيلية، قد تبقى حتى النماذج المصمّمة بعناية مجرّد نتاجات بحثية معزولة.
كما يُحدث هذا النهج القائم على المنظومة تحولًا في تنمية المواهب. إذ يكتسب الطلبة والباحثون في بدايات مسيرتهم خبرة تمتد عبر دورة حياة الذكاء الاصطناعي كاملة، من تنسيق البيانات والتدريب إلى النشر والحوكمة. ويتعلّمون التعامل مع المفاضلات الواقعية بين الكلفة والأداء وقابلية التوسّع، بما يسهم في بناء قوة عاملة وطنية قادرة على دعم أنظمة ذكاء اصطناعي تخدم المصلحة العامة على المدى الطويل.
الانفتاح بوصفه استراتيجية
يُفترض غالبًا أن الذكاء الاصطناعي السيادي يجب أن يكون مغلقًا لأسباب استراتيجية. غير أن تجربتنا تشير إلى العكس. فالانفتاح، عندما يقترن بحوكمة واضحة وسياسات استخدام مسؤولة، يعزّز الأثر العام.
ومن خلال إتاحة النماذج والمعايير المرجعية والوثائق لأغراض البحث غير التجاري، يتيح معهد الأنظمة الذكية والذكاء الاصطناعي (ISSAI) المجال للتدقيق، والتعاون، والتقييم المستقل. وتُسهم هذه الشفافية في بناء الثقة لدى صانعي السياسات والمعلّمين والمستخدمين، كما تربط المبادرات المحلية بالمجتمع البحثي العالمي.
ومن الأمثلة الملموسة على ذلك نموذج «Qolda»، وهو نموذج لغوي ورؤيوي متعدد اللغات ومفتوح المصدر بالكامل طوره المعهد. ويضم أربعة مليارات معلمة، ويمكن تشغيله على الحواسيب المحمولة والهواتف الذكية دون الحاجة إلى قدرات حوسبة واسعة النطاق. ويدعم اللغات الكازاخية والروسية والإنجليزية، ويوفّر قدرات استدلال متعددة الوسائط في صيغة مدمجة وفعّالة. ومن خلال خفض العوائق المتعلقة بالأجهزة وإمكانية الوصول، يوسّع «Qolda» نطاق استخدام الذكاء الاصطناعي ليشمل الطلبة والباحثين والمطوّرين والشركات الصغيرة.
تعكس الانفتاحية مبدأً أكاديميًا جوهريًا: المعرفة بوصفها منفعة عامة. وينبغي أن تكون أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي قابلة للفحص والتكيّف وخاضعة للنقاش. وبدلًا من تشكيل المجتمع عبر أدوات غامضة، يمكن للجامعات أن تقدّم ذكاءً اصطناعيًا يفسح المجال للمساءلة والنقاش العام.
الجامعات بوصفها منصّات جامعة
تؤدّي الجامعات أيضًا دورًا محوريًا في جمع الأطراف المختلفة حول طاولة واحدة. فبخلاف الشركات أو الجهات الحكومية، تمتلك الجامعات المصداقية والاستقلالية اللازمتين لجمع علماء البيانات، واللغويين، والمهندسين، وصانعي السياسات، والمعلّمين، وشركاء الصناعة حول بنية تحتية مشتركة للذكاء الاصطناعي.
وفي معهد الأنظمة الذكية والذكاء الاصطناعي (ISSAI)، كانت الشراكات مع الوزارات، ومؤسسات اللغة، والجامعات الأخرى ضرورية للوصول إلى البيانات، والتقييم، والنشر. وقد اتسمت هذه الشراكات بطابع تراكمي قائم على الثقة، يعكس التزامًا طويل الأمد بدلًا من مصالح تجارية قصيرة الأجل.
وتتجلّى أهمية هذا الدور بصورة خاصة في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي، حيث تنطوي الخيارات التقنية على تبعات لغوية وثقافية وأخلاقية. فالجامعات توفّر الحيّز المؤسسي وأطر الحوكمة اللازمة للتعامل مع هذه المفاضلات بعناية ومسؤولية.
وبصفتها المؤسسة البحثية الرائدة في كازاخستان، تستقطب جامعة نزارباييف نخبة من أفضل الكفاءات في البلاد. وفي سياق محلي يفتقر إلى شركات تكنولوجية كبرى قادرة على إجراء أبحاث متقدمة في الذكاء الاصطناعي، تتمتّع الجامعات بموقع يمكّنها من قيادة مشاريع مرنة وعالية الأثر. فهي قادرة على تعبئة المواهب بسرعة، والتركيز على أعمال ذات صلة اجتماعية ووطنية، وتحويل أبحاث الذكاء الاصطناعي إلى مورد عام يخدم المجتمع.
تداعيات تتجاوز كازاخستان
إن الدروس المستخلصة من تجربة كازاخستان قابلة للتطبيق على نطاق واسع. فعديد من المناطق تواجه تحديات مماثلة: لغات غير ممثَّلة تمثيلًا كافيًا، واعتماد على منصّات ذكاء اصطناعي خارجية، وضغوط متزايدة لدمج الذكاء الاصطناعي في التعليم والحياة العامة. والجامعات مؤهَّلة بصورة فريدة لمعالجة هذه القضايا، لكن ذلك لن يتحقّق إلا إذا انتقلت من الطموح النظري إلى الأثر العملي.
وتبرز عدة مبادئ أساسية في هذا السياق:
لقد أصبح الذكاء الاصطناعي التوليدي يشكّل بالفعل كيفية تواصل الناس وتعلّمهم ووصولهم إلى المعلومات. ولم يعد السؤال ما إذا كان سيؤثر في المجتمع، بل من سيوجّه هذا التأثير ولصالح من. ومن خلال تجاوز حدود المختبر مع الحفاظ على معايير بحثية صارمة، تستطيع الجامعات أن تسهم في ضمان أن يعكس الذكاء الاصطناعي التنوع اللغوي والدقة الثقافية والأولويات المجتمعية، بما ينسجم فيه الابتكار التكنولوجي مع الصالح العام.