نشر في أبريل 2026
مشاركة
تسارعت لغة الإلحاح المحيطة بالتحول في التعليم العالي بالتوازي مع التطور السريع للذكاء الاصطناعي. فطبيعته المتغيرة مؤخرًا، وقدرته المتزايدة على العمل بشكل مستقل، لا تعيدان تشكيل عالم العمل فحسب، بل تؤثران أيضًا في السياسات وإنتاج المحتوى، مع تداعيات واسعة النطاق على مختلف أصحاب المصلحة. وتشمل الأمثلة على ذلك تأثيره في تضخيم الإنتاجية وصولًا إلى إعادة هيكلة الصناعات الإبداعية. وفي هذا العالم الديناميكي، تُكلّف الجامعات بإعداد خريجين قادرين على تعزيز التنافسية الاقتصادية والتعامل مع أسواق عمل شديدة التنافس.
وفي شهر فبراير، وخلال القمة العالمية للحكومات التي عُقدت في دبي، صدر تقرير عن PricewaterhouseCoopers (PwC) يدعو الجامعات إلى المشاركة في تصميم برامج تعليمية تربط بين التعلم والوظائف الفعلية. وطُلب من المؤسسات تعزيز شراكاتها مع قطاع الصناعة، واعتماد نظام من الشهادات المصغّرة القابلة للتجميع والتحقق الرقمي، بحيث يمكن دمجها كقطع أحجية لبناء درجات علمية جديدة تلبي متطلبات السوق. كما طُلب منها تحديث مناهجها بسرعة لتعكس تأثير الذكاء الاصطناعي، مع التأكيد على أنه رغم أهمية الشهادات الجامعية، يجب أن تتضمن مهارات قابلة للنقل ومرتبطة بسوق العمل.
ظاهريًا، يبدو هذا النهج منطقيًا تمامًا. من الذي يمكنه أن يجادل بأن قابلية التنقل ليست مهمة؟ يجب أن تربط الدورات القصيرة في الذكاء الاصطناعي والشهادات المصغّرة بين التعلم والدخل. الخطاب بسيط: نحن بحاجة إلى نظام اعتماد يسهّل الانتقال من التعليم إلى سوق العمل. يبدو هذا أخيرًا وكأنه خطة لتحويل مؤسساتنا الأكاديمية المتعثرة إلى شركاء استباقيين ومتعاونين مع قطاع الصناعة، مستعدين للعمل المشترك بجدية. لكن، وبينما يُعد هذا النداء إلى التحرك صحيحًا في مطالبته باعتمادات موثوقة، ربما يجدر بنا التوقف قليلًا للتأمل في طبيعة قابلية نقل هذه الاعتمادات.
لنتخيل للحظة أن الجامعات ليست منشغلة بالتصنيفات، وجداول الترتيب، ومؤشرات الأداء التي تكافئ الظهور، وحجم الإنتاج، ومخرجات البحث. ولنضع جانبًا أيضًا فكرة أن العديد من الابتكارات التي تقود الصناعة تولد في مختبرات معزولة داخل الحرم الجامعي. بدلًا من ذلك، لنتوجه إلى العالم، الذي يظل إلى حد كبير غير منظم، للتدريس والتعلم في التعليم العالي. فباستثناء الجهود التي تبذلها منظمات مثل Advance HE، غالبًا ما تتم مناقشة جودة التدريس والتعلم في العديد من الجامعات من خلال مؤشرات مثل استبيانات رضا الطلبة، ومعدلات الإتمام، وإحصاءات التقدم، وبيانات توظيف الخريجين.
نحن نعيش في سياق يتشكل بفعل تأثير الذكاء الاصطناعي على بيئة العمل. وتتمحور النقاشات حول التعلم في هذا السياق حول نماذج قابلة للتوسع، لكن في خضم ذلك، هناك خطر يتمثل في إضعاف المهارات الأساسية في حل المشكلات والتفكير النقدي التي نسعى إلى تنميتها. فبناء المعرفة على مستوى سطحي لا يؤدي إلى التفكير من الرتبة العليا (HOT). كما أن مفهوم الانتقاء الحر للشهادات المصغّرة قد يفضي إلى تخريج طلاب متعددي التخصصات في الظاهر، يتقنون التعبير بثقة، لكنهم في الواقع يعتمدون على التخمين بدلًا من التفكير المنهجي المنضبط. وإذا ألغينا ضرورة التعلم لبناء معرفة عميقة في مجال معين، فإننا ننتج محاكاة للتفكير المتقدم بدلًا من حقيقته، وذلك في وقت زاد فيه الذكاء الاصطناعي من الحاجة إلى خبرة حقيقية.
إن الوصول إلى المعلومات لا يمكن أن يحل محل المعرفة. فالأدوات لا تعوض ما لا يمتلكه المتعلمون بعد. كما أن المعرفة لا تنشأ تلقائيًا من مجرد الوصول إلى المعلومات. لقد حان الوقت لإعادة الاعتبار للخبير المتخصص إلى مكانته المستحقة. فالمعلم الذي ينظم التحدي، ويحافظ على الحوار، ويدعم التعلم من خلال التوجيه المنهجي، يظل عنصرًا أساسيًا. وهذه هي اللحظة التي ينبغي فيها ترسيخ معايير الأدلة، وتوضيح كيفية الموازنة بين الادعاءات المختلفة، وجعل عمليات التفكير مرئية. وإذا قامت الجامعات بتقليص هذا الدور إلى مجرد تيسير، فإننا نخاطر بإضعاف تكوين الفكر ذاته، وكذلك تقويض الشروط التي يتشكل فيها الحكم العقلي. وبدون معرفة تخصصية عميقة، يفتقر المتعلمون إلى نقاط مرجعية تمكّنهم من تقييم الدقة، والتحقق من الحقائق، أو دمج الأفكار الجديدة. وبدون الخبراء والممارسين والمدرسين، يفتقرون إلى التوجيه الذي يحوّل المعلومات إلى حكم، والمهارة إلى كفاءة.
إن التعددية التخصصية الحقيقية تتطلب معرفة عميقة عبر مجالات متعددة، لا مجرد مقاربة سطحية متفرقة، وإذا لم نكن حذرين، فقد يشجع نظام الشهادات المصغّرة هذا النوع من السطحية.
لكن لا ينبغي أن نرفض الفكرة بأكملها. فالشهادات المصغّرة لا يجب أن تقتصر على العلامات الرقمية أو الشراكات مع القطاع الصناعي، بل يعتمد الأمر على ما تعنيه هذه الشهادات فعليًا للخريج ولجهة عمله لاحقًا. وربما ينبغي لخطاب التحول المرتبط بالشهادات المصغّرة أن يركز على الإبداع البشري في عالم لا نزال نرغب في أن يظل فيه الإنسان عنصرًا أساسيًا.
إن هذا الطرح لا يرفض الشهادات المصغّرة، بل يسعى إلى استعادتها في معناها الصحيح. فالذكاء الاصطناعي سيتيح بلا شك مسارًا غير مقيد للوصول إلى المعلومات، خاليًا من الأخطاء، لكن هذا يعني أن دور التعليم العالي يتمثل في ترسيخ البُنى التي تجعل هذه المعلومات قابلة للاستخدام. لنعمل على تحقيق الكفاءة الكاملة عبر تخصصات متعددة؛ ولكي تؤدي الشهادات المصغّرة دورها في خدمة التحول، يجب أن تعزز المعرفة قبل المهارة، لأنه عندها فقط تصبح المهارة ذات قيمة حقيقية. وينبغي إعطاء الأولوية للاتساق على حساب قابلية النقل. وعند تصميمها بشكل سليم، ينبغي أن تمثل الشهادات المصغّرة مراحل تراكمية تتسم بالعمق الفكري، تُسهم في تنمية الحكم السليم في عالم يزخر بالذكاء الاصطناعي.