نشر في يونيو 2026
مشاركة
لم يعد الذكاء الاصطناعي مفهومًا مستقبليًا يُناقش فقط في المختبرات البحثية أو شركات التكنولوجيا. فهو يعيد تشكيل الصناعات والاقتصادات والطريقة التي تعمل بها المجتمعات بوتيرة متسارعة. ومع ذلك، يبقى أحد أهم الأسئلة مطروحًا: كيف ينبغي للجامعات أن تستجيب لهذا التحول؟
بالنسبة إلى العديد من المؤسسات، يبدأ التحول الرقمي باقتناء التكنولوجيا، سواء من خلال المنصات البرمجية الجديدة أو الأنظمة المؤتمتة أو القاعات الدراسية الذكية أو البنية التحتية السحابية. ورغم أهمية هذه الخطوات، فإن التحول الحقيقي لا يتعلق بالتكنولوجيا وحدها، بل يتمثل في بناء ثقافة تُعِدّ الطلبة لحل المشكلات الواقعية، والتعاون مع القطاع، والتفكير بصورة أخلاقية، والتكيف المستمر مع التغيير.
تعليم الطلبة الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي
بصفتنا تربويين، تقع على عاتقنا مسؤولية تتجاوز تعليم الطلبة كيفية عمل الذكاء الاصطناعي. إذ يجب أن نعلّمهم كيفية استخدامه بصورة مسؤولة وإبداعية وهادفة من أجل تحسين المجتمع. وهنا تحديدًا يمكن للجامعات أن تؤدي دورًا محوريًا. ففي الجامعة الأمريكية في رأس الخيمة (AURAK) ، أصبحنا ننظر بصورة متزايدة إلى التحول الرقمي ليس بوصفه مبادرة واحدة، بل باعتباره عقلية مؤسسية شاملة على مستوى الجامعة بأكملها. فالهدف لا يقتصر على تخريج طلبة يفهمون التكنولوجيا، وإنما تخريج طلبة قادرين على قيادة التحول في قطاعات الحكومة والرعاية الصحية والخدمات اللوجستية والاستدامة والتصنيع، بل وفي قطاع التعليم نفسه.
ومن أهم الدروس التي تعلمها أعضاء هيئة التدريس في الجامعة أن التحول الرقمي لا يكتسب معنى حقيقيًا إلا عندما ينتقل الطلبة من موقع المتلقي السلبي إلى موقع المساهم الفاعل. فعلى سبيل المثال، شملت إحدى المبادرات الحديثة إطلاق برنامج لرقمنة الحرم الجامعي، عمل من خلاله الطلبة مباشرة على تحديات تشغيلية حقيقية في مختلف إدارات الجامعة. وقد تعاون أكثر من 20 طالبًا في مشاريع مع إدارة الموارد البشرية والمكتبة ومكتب الخدمات المهنية ومكتب البحث العلمي، بهدف تصميم حلول رقمية عملية وأنظمة مدعومة بالذكاء الاصطناعي. وبدلًا من الاكتفاء بحل تمارين افتراضية داخل قاعات الدراسة، خاض الطلبة تجربة العمل على مشكلات مؤسسية حقيقية، مع أطراف معنية حقيقية، وجداول زمنية فعلية، وآثار ملموسة على أرض الواقع.
الجامعات والقطاع الخاص بوصفهما منظومات للابتكار
ويُعد هذا التحول أمرًا بالغ الأهمية. لن ينجح أفراد القوى العاملة المستقبلية لمجرد أن الخريجين قادرون على كتابة الشيفرات البرمجية أو استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي. بل سيتوقف النجاح على قدرتهم على تحديد المشكلات، والتواصل بفعالية، والتعاون عبر التخصصات، وتصميم حلول تخلق قيمة للمؤسسات والمجتمعات. ولذلك، ينبغي للجامعات أن تتحول إلى منظومات للابتكار بدلًا من أن تظل بيئات تقليدية تقتصر على نقل المعرفة.
ويُشكل التعاون مع القطاع أحد الركائز الأساسية الأخرى للتحول الهادف. فالذكاء الاصطناعي يتطور بوتيرة سريعة للغاية تجعل من الصعب على الجامعات العمل بمعزل عن محيطها. وتسهم الشراكات القوية مع شركات التكنولوجيا ومؤسسات القطاع العام في ضمان بقاء البرامج الأكاديمية مواكبة للواقع ومرتبطة باحتياجات السوق الفعلية. وفي الجامعة الأمريكية في رأس الخيمة (AURAK)، ساعدت الشراكات مع مؤسسات مثل Microsoft وAmazon Web Services (AWS) وDell Technologies وIBM وهيئة رأس الخيمة للمواصلات (RAKTA) وجلفار في توفير فرص لمشاريع تطبيقية، وبرامج تدريب عملي، وورش عمل، وتطوير المناهج الدراسية. ولا تقتصر فوائد هذه الشراكات على الطلبة فحسب، بل تساعد أيضًا أعضاء هيئة التدريس على البقاء على اتصال بالتقنيات الناشئة والتوقعات المتغيرة للقطاع.
استخدام الذكاء الاصطناعي بصورة أخلاقية وبنزاهة
ومع ذلك، لا ينبغي أن يقتصر التحول الرقمي على الكفاءات التقنية وحدها. فقد أصبحت الوعي الأخلاقي وممارسات الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي لا تقل أهمية عن المهارات التقنية. فاليوم، تؤثر أنظمة الذكاء الاصطناعي في قرارات التوظيف، والتوصيات المتعلقة بالرعاية الصحية، والخدمات المالية، والتعليم، والسياسات العامة. وعليه، تقع على عاتق الجامعات مسؤولية ضمان فهم الطلبة للأبعاد الأخلاقية للذكاء الاصطناعي، بما في ذلك الشفافية والتحيز والمساءلة والخصوصية والحوكمة.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة داخل مؤسسات التعليم العالي نفسها. فالمربون حول العالم يواجهون اليوم أسئلة جديدة تتعلق بالنزاهة الأكاديمية، والمحتوى المُنتج بواسطة الذكاء الاصطناعي، وتصميم أساليب التقييم، والدور المستقبلي للتعلم البشري. وبدلًا من مقاومة الذكاء الاصطناعي، ينبغي للجامعات إعادة تصميم التجارب التعليمية بما يعزز الإبداع والتفكير النقدي وحل المشكلات والمشاركة الحقيقية والفاعلة في عملية التعلم.
أثر أعضاء هيئة التدريس والبحث العلمي وتمكين الطلبة في التحول القائم على الذكاء الاصطناعي
يتطور دور أعضاء هيئة التدريس أيضًا. ففي الماضي، كان المربون يُعدّون المصدر الأساسي للمعلومات. أما اليوم، فأصبحت المعلومات متاحة بشكل فوري من خلال أنظمة الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية. ولذلك، ينبغي للمربي المعاصر أن يؤدي دور المرشد والميسر والمبتكر والموجّه. وأصبح أعضاء هيئة التدريس يتحملون بصورة متزايدة مسؤولية مساعدة الطلبة على تقييم المعلومات بشكل نقدي، وطرح أسئلة أفضل، وربط المعرفة بالتحديات المجتمعية الحقيقية.
كما يؤدي البحث العلمي دورًا محوريًا في التحول الرقمي. فلا ينبغي للجامعات أن تكتفي باستهلاك تقنيات الذكاء الاصطناعي، بل يجب أن تسهم في تشكيلها وتوجيهها. وقد تناولت مبادرات بحثية حديثة في الجامعة الأمريكية في رأس الخيمة (AURAK) مجالات متعددة، من بينها الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير، وتقييم اللغة العربية باستخدام الذكاء الاصطناعي، وحوكمة البيانات، والأنظمة الموفرة للطاقة، والتقنيات الدلالية، وأنظمة الاسترجاع الذكي للصور. وتعكس هذه الجهود حقيقة مهمة، وهي أن أبحاث الذكاء الاصطناعي ينبغي ألا تكون منفصلة عن احتياجات المجتمع، بل يجب أن تعالج تحديات عملية واقعية، مع الإسهام في الوقت نفسه في تطوير المعرفة العلمية.
ويُعد تمكين الطلبة بُعدًا مهمًا آخر في هذا التحول. ومن أكثر الجوانب إلهامًا في التعليم المدفوع بالذكاء الاصطناعي مشاهدة الطلبة وهم ينتقلون من متعلمين إلى مبتكرين. فنوادي البرمجة التي يقودها الطلبة، ومسابقات الذكاء الاصطناعي، وورش العمل، والمبادرات البحثية التطبيقية، كلها تهيئ بيئات تساعدهم على تنمية الثقة بالنفس والقيادة والتفكير الريادي. وغالبًا ما تكون هذه التجارب ذات قيمة لا تقل عن قيمة المقررات الدراسية الرسمية، لأنها تشجع على التجريب والعمل الجماعي والقدرة على الصمود في مواجهة التحديات.
ومن ثم، فإن التحول الرقمي لا يقتصر على إنشاء أنظمة أكثر ذكاءً، بل يتمثل في بناء مجتمعات أكثر ذكاءً. فالجامعات التي ستزدهر خلال العقد المقبل ليست بالضرورة تلك التي تمتلك أكبر الميزانيات أو أكثر البنى التحتية تقدمًا، بل تلك القادرة على بناء ثقافات قائمة على الابتكار والقدرة على التكيف والتعاون والتعلم مدى الحياة.
وسيواصل الذكاء الاصطناعي إحداث تحولات في جميع قطاعات المجتمع. ولم يعد السؤال ما إذا كان ينبغي للجامعات أن تتكيف مع هذا الواقع، بل إلى أي مدى هي مستعدة لقيادة هذا التحول بجرأة. بصفتنا تربويين، تقع على عاتقنا مسؤولية تتجاوز تعليم الطلبة كيفية عمل الذكاء الاصطناعي. إذ يجب أن نعلّمهم كيفية استخدامه بصورة مسؤولة وإبداعية وهادفة من أجل تحسين المجتمع. ونمتلك، كمؤسسات تعليمية، فرصة فريدة للإسهام في تشكيل ليس فقط المهنيين المستقبليين، بل أيضًا صناع القرار والمبتكرين والمواطنين العالميين المسؤولين. وإذا تعاملت الجامعات مع الذكاء الاصطناعي برؤية واضحة ومسؤولية وهدف، فإن التعليم العالي يمكن أن يصبح أحد أقوى المحركات الدافعة وراء تحول رقمي مستدام وذي معنى حقيقي.